7 اسفند 1391

الأدب القصصي في إيران قبل الثورة محمد رضا سرشار ـــ ت.د.أحمد موسى(*)

تعنى المدونة بتوصيف وضعية اللغة الفارسية وآدابها وتاريخها وبشكل عام الثقافة الفارسية في المغرب، وتعريف الطالب المغربي المعني بكل ما يتعلق بهذه اللغة من قريب أو بعيد
الاحد, 04 يوليو, 2010
الأدب القصصي في إيران قبل الثورة محمد رضا سرشار ـــ ت.د.أحمد موسى(*)

مجلة الآداب العالمية
العدد 139 صيف 2009 السنة الرابعة والثلاثون | 2010-01-03
1بعد نهاية الحرب الإيرانية العراقية، عرفت الساحة الفكرية مرحلة فتور دامت عشر سنوات منذ انتصار الثورة الإسلامية. لذلك كان من الصعب على أي أديب العودة إلى ذلك العالم الخاص بعد هذه القطيعة. علاوة على ذلك فإن هذه الاستحالة الفكرية كانت في طور البروز عند عدد مهم من أدباء الجيل الذي عاش في أكناف الثورة الإسلامية، مما أدى إلى ظهور نوع من الفتور في عزمهم الدخول إلى عالم القصة في عهد الثورة الإسلامية. ومثل هذه الاستحالة كانت تزداد تَكرُّساً في المجتمع يوماً بعد يوم، لهذا فإن هذا النوع من الآثار لم يكن له متتبعون.
إذا أضفنا إلى كل هذا عاملاً آخر، وهو ندرة الكتب المطبوعة في السنوات الأخيرة، والتي أدت بدورها إلى عدم اهتمام عددٍ كبيرٍ من كُتَّاب جيل الثورة بالكتابة القصصية، وعدم عدها الشغل الشاغل والأصلي لهم، سيتبين لنا بجلاء أسباب هذا الفتور والركود.
يمكننا تعريف الأدب القصصي الثوري تعريفاً واسعاً بأنه: كل عملٍ قصصيٍ يتمحور موضوعه الأصلي حول مواجهة الأنظمة الفاسدة السابقة التي كانت تحكم البلد. في هذا التعريف لا يبقى لمعتقدات المذهب أو غير المذهب أو اليمين واليسار محلٌ من الإعراب. لكن مع هذا التوسع في التعريف فإن بحثنا لن يكون علمياً، لأنه في هذه الحالة يمكن أن نجد أعمالاً قصصية في عهد الثورة الدستورية أو ما بعدها تناولت موضوعات المقاومة ومعارضة النظام القاجاري ونظام رضا خان ونظام محمد رضا البهلوي، لذلك يمكن القول إن الأدب القصصي الثوري الذي نعنيه هنا هو ذاك الأدب الذي يهتم بطرح قضايا الثورة الإسلامية بوصفها قضايا أساسية ومحورية، وبالنظر إلى تاريخ مقاومة جماعات وعناصر إسلامية في هذا الطريق يمكن أن تبتدئ هذه القصص من عهد الشيخ فضل الله نوري وتمتد إلى فترة الشهيد مدرسي وفدائيي الإسلام وثورة الخامس عشر من خرداد 1342 ش (1964م) وهيئات مؤتلفة وجماعات وأشخاص آخرين كالإمام الخميني وآية الله سعيدي وآية الله غفاري وآخرين. ويتمثل أوج هذا الموضوع في سنة 1356ش (1978م) وبداية النهضة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني وانتهاءً بانتصار الثورة الإسلامية في 22 بهمن من سنة 1357 ش (1979م).
لقد تعددت القضايا بعد الثورة الإسلامية، فتنوعت بين الحروب الداخلية الانفصالية والحرب ضد العدو الأجنبي ومناوشات المعارضين في الداخل.. ولكي تتبين لنا وضعية إسهامات الكتاب في هذا العصر في هذا المجال، لابد من التعرُّف إلى الآثار التي كتبت حول هذه الموضوعات وترتيبها وتحليلها، وبالتالي الحكم على ذلك حكماً مقارناً. وهنا يجب مقارنة ما كُتب في إيران حول الثورة مع ما كُتب في الدول الأخرى بخصوص ثوراتهم. فعلى سبيل المثال فإن كتاب «البؤساء» لفيكتور هيكو يشير إلى الحروب الداخلية في الثورة الفرنسية. وهناك أيضاً أثرٌ كبيرٌ كتبه الروس حول الثورة البلشفية سنة 1917م، وهو كتاب «تجاوز المعاناة» لـ«الكسي تولستوي» في ثلاثة مجلدات، ترتبط الثورة في هذا الكتاب بالحروب الداخلية التي جاءت بعدها وبالحرب العالمية الأولى ومقاومة العدو الأجنبي، وأكثر حوادثها تتعلق بهذه المواجهات التي تتصل بانتصار الثورة. لكن نظام الثورة الحاكم في الاتحاد السوفيتي سيستمر في الحرب مع العدو الأجنبي سنة واحدة فقط، لأن الحرب العالمية الأولى ستشهد نهايتها سنة 1918م، وقبل نهايتها سيعتزل النظام البلشفي رسمياً.
لذلك فإننا نستنتج أن السوفيتيين بقوا أكثر من عشرين سنة بعيدين عن الحرب مع عدو أجنبي لغاية بداية الحرب العالمية الثانية سنة 1939م. إنهم كانوا يستطيعون كتابة قصة ثورتهم خلال هذه المدة، في حين إن الإيرانيين لم يكن لديهم أكثر من سنة وسبعة أشهر لكتابة قصة ثورتهم، والسبب هو أن الحرب شبَّت بعد ذلك وألقت بظلالها القاتمة على كل شيء، واستأثرت بالاهتمام الكامل والإمكانيات المادية والمعنوية طوال ثماني سنوات على الأقل.
وهناك أمرٌ آخر وهو سابقة الكتابة الروائية في روسيا، فإنها تعود إلى وقت بعيد جداً، وأصبح لها روادٌ لهم مدرستهم الخاصة في الرواية. والآن تمر أكثر من 400 سنة على عمر الكتابة الروائية في شكلها الجديد هناك، في حين نجد أن الرواية في إيران لم يمر على نشأتها أكثر من تسعين سنة. فالأعمال الروائية الجديدة الأولى في إيران هي ليست روايات بالمعنى الدقيق للمصطلح. لقد بدأت هذه التجربة منذ العقد العاشر؛ حيث شهدت الساحة الأدبية عدداً لا بأس به في هذا المجال. هذا في الوقت الذي اكتسب الأدب في إيران تجربة أكثر في مجال القصة القصيرة. ومع ذلك ففي روسيا، باستثناء رواية «تجاوز المعاناة»، فإننا لم نشهد ظهور عمل آخر غير «دن آرام» لشولوخوف كرواية مرتبطة بثورة أكتوبر، وهذه الرواية نفسها ممزوجة بنوع من الحرب، كما يمكن أن نذكر رواية «الأم» لكوركي. لكننا لا نجد في كل ذلك آثاراً تختص بثورتهم؛ بمعنى آخر، باستثناء القضايا الأخرى، فإننا لا نحد نموذجاً قوياً لرواية حول الثورة البلشفية أو حتى الغربية، في المقابل نجد أمثلة كثيرة عن الروايات المضادة للثورة، بدءاً من قلعة الحيوانات لجورج أورول، وحتى أعمال أخرى من مثل دكتر جايواكري بوريس باسترناك، أو مجمع الجزائر لكولاك ألكساندر، أو قلب الكلب لبولكاكف وأعمال أخرى لماركز...
إن إيران لم تحصل على نموذج للرواية الإسلامية أو الثورة الإسلامية. وحتى إن حصلت على نماذج للروايات التي تتعلق بالثورة الفرنسية والروسية أو الأمريكية اللاتينية، ما كان للروائيين في الثورة الإسلامية أن يتخذوا من ذلك نموذجاً يحتذى به؛ لأن الثورة في إيران كانت ثورة جد مغايرة.
في هذا الصدد يمكننا استحضار بعض عناوين الروايات التي أُلفت حول الثورة الإسلامية بعد انتصارها، أولاها رواية زنده باد مر? (يحيى الموت) لناصر إيراني من منشورات سروش. وهي رواية ضخمة، كان مؤلفها قبل الثورة ينتمي لحزب «تودة»، فأصبح بعدها تابعاً لحركة «حاج سيد جوادي». أحداث هذه الرواية لا تدور حول عامة الشعب، بل حول جماعة ماركسية مثقفة، تعقد جلساتها في منزل تتدارس فيها أخبار الثورة التي بدأت تتبلور في البلاد. بطل القصة ـ وهو الراوي نفسه ـ ينفتح ذهنه تدريجياً برؤية الشعب في الشوارع وانتشار الثورة الشعبية في كل أنحاء البلاد، ثم سينفصل عن تلك المجموعة الخاملة والمدعية ويلتحق بعامة الشعب في الشوارع. لكن هذه الرواية (يحيى الموت) هي رواية الرأي والفكر، يكثر فيها الكلام والجدل. وهناك عملٌ آخر قبل هذه الرواية، وهو لحظة هاى انقلاب (لحظات الثورة) لمحمود ??ب دره اى، لكنه لا يُصنف ضمن مجال الرواية رغم أنه ليس بعيداً عن القصة، لأنه يدور حول شخصية محورية واحدة وهي ??ب دره أي نفسه. فهذا العمل أقرب ما يكون إلى الخاطرة والمذكرات. وقد كُتب بنثر أدبي ممتع للمطالعة، وهو يتتبع أخبار الثورة أولاً بأول. وللكاتب نفسه رواية تسمى (وال) وهي تدور حول الثورة كذلك. وله أيضاً كتاب آخر صغير الحجم يسمى (حسين آهنى) ألفه لفئة الشباب لكنه يفتقد لقيمة القصة الواقعية. ونذكر كذلك قصة قصيرة لمحمد رضا سرشار حول الثورة، وهي تحت عنوان خدا حافظ برادر (وداعاً أيها الأخ). ونشير كذلك إلى سياه ??? (العشب الأسود) لأمير حسين فردي، وأحداث هذه القصة تدور في بادية تابعة لإقليم كرمان، أهلها لم يعرفوا عن الثورة شيئاً إلا بعد مرور بضعة أشهر من قيامها، فلم يكن لهم دور في الثورة، والقصة تكشف أثر الثورة في حياة البدو في ناحية من أنحاء إيران. وكذلك نذكر حوض سلمون لمحسن مخملباف وأحداث هذا الأثر تعود إلى ما قبل الثورة وتحكي قصة مواجهة ومقاومة رجل متدين للنظام الحاكم. أما كتاب (أسير زمان) لإسماعيل فصيح الذي ألفه في عقد السبعينيات، فهو مثل سائر آثار فصيح، يتميز بطابع بوليسي وجنائي ويطفح بالحركية والأحداث. نذكر أيضاً رواية آتش بدون دود (نار بدون دخان) وهي رواية مفصلة في سبع مجلدات لنادر إبراهيمي الذي كان قد كتب القصة نفسها قبل الثورة مع اختلاف في المحتوى في مجلدين، وأكملها بعد الثورة ليصل عدد أجزائها إلى سبعة. نثرُها جيد وبناؤها منسجم، تتميز هذه الرواية بشخصياتها المتعددة وفضاءاتها المتنوعة. شخصياتها الرئيسية ثلاثة، رجلان وامرأة، رجل اشتراكي مادي والثاني روحاني ومسلم مقاوم. في نهاية المطاف تتغلب الشخصية الاشتراكية بفكرها، لكن مع ذلك فهذه الشخصية تحب حضرة الإمام علي؛ لأنه يتصور أن لعدالته الاقتصادية جانباً اشتراكياً، ولذلك أصبح صديقاً للروحاني، فهما الاثنان يقاومان عدواً مشتركاً (نظام محمد رضا ا?????ي). رواية آتش بدون دود ممتعة، لكن قراءتها تأخذ وقتاً طويلاً. نشير كذلك إلى رواية رازهاى سرزمين من (أسرار أرضي) لرضا براهني، وهي في حدود ألف ومائتين صفحة. تبدأ وقائعها قبل سنوات من الثورة وتمتد إلى فترة انتصارها وما بعد ذلك. وهو عمل مشتت، أحد مضامينه الأصلية التفرقة بين الأتراك والفرس، وهو المضمون نفسه الذي أنفق الاستعمار، وخاصة بريطانيا وأمريكا من أجله، وروَّج له لعشرات السنوات. تكثر في هذه الرواية الإشارة إلى المسائل الجنسية لدرجة أثارت اعتراض الأوساط المثقفة على نشرها. وهناك قصص أخرى موضوعها الأصلي مواجهة النظام ا?????ي، مثل آواز ?????ن (صوت القتلى) وبعد از عروسى ?? ??شت (ماذا حدث بعد الزفاف) لرضا براهني، فالأولى لا علاقة لها بالثورة الإسلامية، أما الثانية فعنوانها كناية عن الثورة الإسلامية. وكذلك قصة از ??ه به ??ه (من البئر إلى البئر) للمؤلف نفسه يطرق فيها الغرض نفسه. وكذلك قصة آتش از آتش (النار من نار) لجمال مير صادقي.
كان مير صادقي عضواً في حزب «تودة». لكن الاتجاه الغالب على الأثر المذكور هو الاتجاه المنفتح وليس التوجه الماركسي، وهي قصة صغيرة الحجم ومنظمة، لا تتصل أحداثها بالثورة مباشرة، لكنها ترتبط بالمواجهات مع النظام ا?????ي والساواك. وإني أعتقد أن مشكلة هذه الآثار هو محدودية مخاطبيها، فهي تختص في الغالب بقشر محدود من المثقفين، والسبب في ذلك راجع إلى افتقاد كتّاب هذه القصص إلى التجارب الشعبية والاجتماعية اللازمة. ولعل قلة متعة وجاذبية مثل هذه الآثار يكمن في هذا السبب، لأن العوام لا يستطيعون ربط الاتصال بينهم وبين هؤلاء، لكن بغض النظر عن جانب المحتوى والتوثيق، فإن أقوى رواية وأكثرها اتصالاً بالثورة هي رواية مدار صفر درجه (مدار الصفر درجة)، وهي رواية ضخمة تقع في ثلاثة مجلدات (1800 صفحة). لكن عيبها يكمن في تحريف طرح الوقائع التاريخية، فهي تصور أن الثورة جاءت وشرعت من الماركسيين والشيوعيين وتقدمت بفضلهم، وحين انتصرت جاء رجال الدين (الروحانيون والمذهبيون) وامتطوا هذا الفرس وأخذوا بلجامه، لكنه عمل ممتع وجذاب. وهناك بعض القصص التي تجنبت طرح موضوعات ترتبط بالثورة الإسلامية، لكنها جعلتها هدفاً لها بانتهاج قالب رمزي أو تمثيلي، فعلى سبيل المثال: أحمد محمود هذا في كتابه درخت انجير معابد (شجرة تين المعابد) صوَّر إرادة الثورة الإسلامية الشعبية وقيام الناس كأنها مدينة خيالية واستعان بأسلوب وسياق القصص الواقعية السحرية. فصوَّر قائد تلك الثورة على هيئة إنسان درويش كاذب، وإن وصفَه لحالته الروحية تدل على أن الكاتب كان له عين على الثورة. لقد رسمت هذه القصة لهذا الشخص الدرويش ولأتباعه الجُهَّل والخرافيين (بصفتهم عامة الشعب) صورة فاشية. وقد طرح مقابل هذا التيار الخرافي شبه المذهبي والانتهازي تياراً آخر تمثله عدة شخصيات روحانية مثقفة. أما رواية خانه ادريسى ها (بيت الأدارسة) لغزاله عليزاده فهي في الظاهر تطرح ثورة اشتراكية (شيوعية)، فيها نوع من التشبيه الرمزي يعطف ذهن القارئ إلى مقصود وكنه الكاتب. وكذلك رواية شهرى كه زير درختان سدر مرد (المدينة التي قضت تحت أشجار السدر) لخسرو حمزوى فهي تنطوي على تشبيهات رمزية تُلمِّح للثورة الإسلامية. سعى كاتب القصة إلى تشبيه قائد قصته الروحاني بالإمام الخميني وتشبيه حاشيته بحاشية الإمام، كما سعى إلى تصوير عامة الشعب في قصته بشكل مشابه لأتباع وأطراف الإمام الخميني. فهو يرسم للمذهبيين صورة فظيعة وسيئة. نذكر كذلك المجموعة القصصية سالهاى ابرى (السنوات السحابية) لعلي أشرف درويشيان. بطل هذه المجموعة هو الكاتب نفسه وهو عنصر ماركسي. أما جزيره سر??دانى (الجزيرة الحائرة) وساربان سر??دان (الحادي الحائر) لسيمين دانشور ابتدأت قبل الثورة بقليل واستمرت حتى السنوات الأولى للحرب. وكذلك سالهاى بنفش (سنوات البنفسج) لإبراهيم حسن ????، فإنها من القصص المعدودة التي نظرت إلى الثورة نظرة إيجابية.
مع ذلك فإننا لم نحصل إلى الساعة على رواية شاملة ومنصفة ووفية لوقائع الثورة الإسلامية الأساسية. بطبيعة الحال لا يُتوقع من أفراد غير مسلمين أو شبه مثقفين من أمثال أحمد محمود أو سيمين دانشور أن يخلقوا مثل هذه الآثار.
واقع الأمر أن جيل الثورة الملتزم لم يكن له حضور يُذكر في ساحة الأدب القصصي قبل الثورة، بخلاف أدب الأطفال.
وقد تأسس في عقد السبعينيات مكتبان عُنيا بهذا الأمر بشكل جدي: الأول مكتب أدب الثورة في مركز التربية الفكرية للشباب، وعمل على توصية الكتاب وتشجيعهم على تأليف قصصه حول الثورة الإسلامية، وقد نشر هذا المركز آثاراً كثيرة. وممّن نُشرت لهم قصصاً مطولة في هذا المركز نذكر: نورا حق ??ست وافسانه شعبان ??اد ومحمد رضا محمدي ??شاك، هذا الأخير نشر مجموعة من القصص تحت اسم «قصص الثورة».
بناء على ذلك فإننا نجزم أنه إذا كانت الكتابة الروائية في شكلها الجديد ظهرت في إيران متأخرة عن الغرب بأكثر من 300 سنة، فإن جيل الكتاب الملتزمين دخلوا إلى هذه الساحة متأخرين عن غيرهم بحوالي ستين سنة على الأقل. يُضاف إلى ذلك أن هذا الجيل كان فتي السن ويفتقد للتجارب اللازمة، فكُتَّاب العقد الأول بعد انتصار الثورة الإسلامية حديثو السن ويفتقدون للتجربة الاجتماعية. إنهم لم يعايشوا الوقائع التي كانت في العقود السابقة وانتهت بالثورة. وحتى سنهم الفتي لم يكن يؤهلهم لتعويض هذا النقص، لذلك فإنهم لم يكونوا مهتمين بالكتابة الروائية للكبار. أما الكتاب الكبار في الجيل السابق، فإما أنهم لم يكونوا مع الثورة الإسلامية، وإما كانوا معارضين لها، لذلك لم يريدوا أن يصرفوا تجاربهم في الكتابة حول هذه الثورة. والذين كتبوا منهم حول الثورة كتبوا ذلك بعد نجاح الثورة بسنوات عديدة وبالتالي حرّفوا وقائع الثورة. يعني ذلك أن الذين كانوا يمتلكون تجارب مهمة في هذا الفن لم يؤلفوا شيئاً عن الثورة، والذين كانوا يريدون الكتابة لم يستطيعوا بسبب الإمكانات المادية وضيق الوقت.
بعد انتصار الثورة بسنة وبضعة أشهر (سبعة أو ثمانية) بدأت الحرب العراقية الإيرانية المصيرية، فكان من اللازم تجنيد كل الإمكانيات والطاقات المادية والمعنوية للحرب. وكانت مسؤولية إدارة الشؤون الثقافية والفنية تقع على كاهل أهل القلم من الملتزمين. لذلك فقد وجَّه الكتاب المذكورون اهتمامهم الكامل صوب هذا الموضوع الجديد. وهذا ما يفسر حصولنا حالياً على آثار مهمة حوله سواء من الناحية الكمية أم الكيفية.
وحين وضعت الحرب الإيرانية العراقية أوزارها كانت قد خلقت فجوة ذهنية كبيرة تمتد عشر سنوات من تاريخ نجاح الثورة، لذلك كان من الصعب بالنسبة للكاتب من الناحية الذهنية العودة إلى ذلك العالم الخاص. أضف إلى هذا أن طيفاً مهماً من الجيل المرتبط بالثورة بدأت تشكل في ذهنه استحالة العودة الفكرية إلى ذلك العهد، وبالتالي استحالة دخول ساحة الأدب القصصي الثوري. كما أن مثل هذه الآثار لم يعد لها مخاطب، إذا أضفنا إلى ذلك التدني الحاصل في معدل نشر الكتب، الذي جعل عدداً مهماً من كُتَّاب جيل الثورة يحجم عن الكتابة بصفتها عمله الأول والأصلي، وينصرف إلى الكتابة في الموضوعات التي تدر عليه أرباحاً أكثر وبوتيرة أسرع. إذا علمنا ذلك فسيسهل علينا إدراك أسباب هذا الركود في الكتابة.
(*) أستاذ جامعيّ من المغرب

أضافها أحمد موسى في الأدب الإيراني الحديث @

Posted by didar at اسفندماه 7, 1391 10:28 صبح
Comments
Post a comment









Remember personal info?