7 اسفند 1391

ها هو اليتيم بعين الله؛ ترجمة الدكتورة بتول مشكين فام

الکاتب: محمد رضا سرشار المترجم: الدکتورة بتول مشکین فام عدد المجلة: 3
محمد رضا سرشار

ولد محمد رضا سرشار,المعروف بـ (رضا رهكذر) سنة 1953 م . نال شهادة الثانوية عام 1972 م . و بعد الخدمة العسكرية - التعليمية, واصل دراسته في كلية الهندسة بالجامعة الصناعية في طهران, ومنذ ذلك الحين أستوطن هذه المدينة.
صفحات بعض الدوريات الأدبية فسحت المجال سنة 1973 م لنشر أول ما نفح من يراعة( سرشار وصدر كتابه الأول عام 1976 م , ثم بلغ مانشانشر قبل الثورة , أربعة عناوين، و عدداً من القصص القصيرة.
و بعد الثورة صدرله (85) مؤلفاً ومترجماً, خصّ بهاالأطفال و اليافعين و غيرهم, منها قصص, وروايات نقدية, ومداخل نظرية, وأخرى أدبية، حصدت مؤلفاته (26) جائزة على المستوى الوطني, وترجم عدد منها إلى اللغة الإنكليزية والأردية

(لسرشار) أربعة كتب جديدة قيد الطبع, و عشرات منالمقالات, و العروض النقدية, والمقابلات الخاصة, ونشرتها مختلف الدوريات, إلاأنها لم تنتظم بعد في مؤلف واحد.
تولى ( سرشار) بعد الثورة عدداً من المهام و الوظائف, منها: التدريس في جامعة طهران, و أعداد برامج إذاعية وتحريرها, و إذاعة برنامج (قصة ظهر الجمعة) على مدى (22) سنة, ورئاسة تحرير(4) مجلات خاصةبالأطفال واليافعين , وفصليتين معنيتين بالأدب.
للمزيد من التعرف على مؤلفاته، نترجم فصلاً من روايته المكونه من عدة مجلدات: سيرة الرسول (ص)


أستند محمد إلى يده اليمنى, و قلع جسمه من حصباء الغار, ثم استعدل قواه إلى حد ما بعد أن فقدها خلال الدقائق العصيبة التي مرًّ بها, و أقام عوده المضني ليجرّه إلى ربعه و نادية وهناً على وهن. وقف على رجليه , وهمًّ بتعديل برديته, ثم وطأ الأرض ليخرج من (حراء(
الليلة هذه كانت كسابق الليالي و السماء, و النجوم, والهلال الهزيل, وجبل حراء, والسفح الجنوبي منه, و مكة, لمتبدُ مختلفة عما سبق, لكن على ما يبدو أن في تلك الدعة, وذاك السكوت الظاهر يجيشان ....غليان , و كأن وراء الكواليس مخاض عجيب.
أستعاد قلب الكون نبضات، بعد أن توقفت قبل قليل دقاته, أنتعش العالم العتيق, و اشتعلت شبيبته بعد سكوت مقيت، توقفت الحياة في شرايين الأرض, واستعادت الطبيعة المنطلقة من سكوت مميت حياتهامن جديد, تنفست الصعداء بزفير وشهيق عميق, فقد تخلّصت من بغتة الموت, انسلختفيها عن شرنقتها البالية القديمة, و بدأت عيشها الجديد.
كأن في السماء اختلافورواح, و الفضاء مفعم بالزمازم, و فيها الراح. و الجبل و الصفا و الشوك والتراب، يهمس البعض في أذن البعض الأسرار.
- سلام عليك, يا مصطفى الله!
يديرمحمد رأسه هنا وهناك, إلا أنه لا يرى إلا الطبيعة المعهودة الصامتة: جبل حراء بعنفوانه الصلد الأسفع, و في جنوبه سلسلة تلال محيطة بمكة, وعلى جانب آخر تمتد الجبال حتى يثرب, عبر وديان وسهول بطحاء جرداء, و من الشمال تنتهي تلك الجبال إلى ميناء جدّة حيث شواطيء البحر الأحمر, وفي جانب آخر سهول عرفات و ربوع منى, و مدينة الطائف.
الطبيعة مخيّمة على كل مكان, راقدة في أحضان الليل الحالك بصمت، راكدة في أعماقها, راكنة إلى أسرارها, دون أن تحمل على ظهرها كائناًَ ينطق.
يئن محمد من جسم مثقل, أعياه مالا طاقة له به, يحمله في ممر جبلي وعر, نحوالهضبة, يخطو خطوات وئيدة , تنثني خلالها أحياناً ركبتاه من ثقل ما يحمل . يستحضرعجيب ما سمع من كلام, ويجيله في خاطره مع كل خطوة يخطوها متمتماً:
اقرأ بسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق , اقرأ وربك الأكرم...
فيطمئن قلبه, إلا أنه كان يشعر بالعياء في الروح و الجسد, نعم, الروح و الجسد, كلاهما لم يستعدا بعد لهذا الارتباط الصعب - الغريب, ارتباطاً لا طاقة لمحمدبه ولا لغيره - تحمل ضغوطاً كثيرة, ظن حينها أن روحه بلغت الحلقوم فعرجت إلى آفاق شاسعة, ثم نالت عظمة واستيعاباً أكبر فتلقى النداء من ذاك العالم الروحي الناصع بكل كيانه , و حنانيته، وعلى رغم هبوب نسيم عليل, في منتصف ليل خريفي, كان يتلهّب في حماه, من رأسه إلى أخمص قدميه, يسيل من صفحته المتلألئة, جرف عرق رفيع، يجري بين حاجبيه المزججين نحو عرنينه الأشم, لكن معاناته هذه لم تكن تعادل ما اعترى قلبه من الرعب والهلع. و لولا بكاؤه المنفجر لكان قلب محمد يطير أو ينخلع, عما سوف تتمخض ألاعيب المصير.. ؟
اغتلي قلق كبير في كيانه, فهيج خلده, و أشعل جنانه. ترى, هل سيبلى بلاء حسناً في فتنته الكبرى هذه؟
فكر في معاناته, وانتظاره المرّ الطويل على مدى السنين المتطاولة. الانتظار على وشك الانتهاء , ترى هل يطيق مواجهة تلك الحقيقة, الناصعة, الخالدة, التي طالما استشرف اليها شوقاً, و التاع في لهيبها وجداً؟ فإذن لماذا لا يشعر الآن بالفرح, و لا يتلمس في كيانه الجذل ولماذا عشعش فيه القلق والفزع ؟؟
ركن إلى سفح الجبال, فشعر فجأة بتغير مرموز فيما حوله، و رأى في أفق السماء حيث يلتقي دوماً مع الأرض نوراً أثيرياً ساطعاً, خيّم على الفضاء بأسره, حدّق النظر فيما كان يسطع, فرأى ذاك الكائن السماوي الذي رآه فيما سبق, وقد ملأ حضوره عينيه, و سدّ عليه آفاق النظر. ترى أ في يقظة ما يرى؟

أدار رأسه يمنة, يا للعجب ... لقد كان هناك أيضاً, متمثلاً أمامه رجلاً سويا, في روعة فريدة, و هيبة أثيرية, كأنه صافن على ألف جناح. خطواته عريضة, في كل أفق رسّخ قدماً, كأنه شرّق بقدم على أفق من آفاق السماء, و غرّب بالأخرى.
أينما يولّي طرفه, فثمًّ وجه صاحبه بقسماته وسكناته.
حل فيه قلق جديد وهلع.
ترى - رب - من هو؟ ماذا يريد من محمد!؟
دوى في السماء فجأة ذاك الصدى السماوي الملهم, فالتحم بروح محمد:
- يا محمد .... أنت رسول الله, و أنا ملكه المرسل, جبرائيل.
- ماذا ...!؟
- يا محمد .... أنت رسول الله, و أنا ملكه المرسل, جبرائيل.
ربّ ِ .... ماذا كان يطرق سمعه؟ هل صحيح ما يسمع!؟
- يا محمد .... أنت رسول الله, و أنا ملكه المرسل, جبرائيل.
لا, لاأضغاث و لا أحلام, بل هي اليقظة و الحقيقة بعينها.
بعد فترة من السكوت, قضى خالق الكون - مرة أخرى - أن يكلّم عباده, و قد اصطفاه و هو من بينهم, إذا كان أصلاً لمناجاته, و إبلاغ نداءاته . آه هذا أكبر مما كان يتوقع, و في تلك اللحظات ذاتها كانت روحه لا تسع ما يسمع.
محمد راض ٍ بما ناله من الهدى و السداد, إلا أنه يعزّ عليه دوماً شقاء الناس والضلال . ترُى أينهض على خير وجه بما أنيط إليه... مسؤولية كبيرة, غير متواضعة, بل هي مضنية, تقصم الظهر, إذ أنها مسؤولية إرشاد البشرية جمعاء و هدايتهم , و ستبقى على عاتقه ما دبًّ الأنام على وجه الأرض.
همّه, هم الإنسانية جميعاً, لا هم هذا و ذاك. مصير البشرية و هدايتها هو الهم الذي لا ينال, إلا بالتحطيم, تحطيم الذات, و الذوبان في الآخرة, و سير من الذات إلى الإله, ومن الإله إلى الخلق والكائنات. ما أصعبه
محمد يعيش في ازدواجية، ازدواجية الفرح و الحزن, الأمل و الخوف, اليقين و الشك, المرارة و الحلاوة. ماذا عساه أن يفعل, و هو متفرق بين طمأنينة السنوات المتطاولة وما حلّ اليوم فيه منالقلق العميق. الكائن السماوي الجليل قد ذهب , والمبعوث الجديد في خيرة , يتثبت فيخضّم من مختلف المشاعر.
النبي الملتهب بحماه, ترتعد فرائصه مما هاج به , قد نكس الرأس في ذهول و هزال, و هو يطأ سفوح حراء.
أخذ لا يتحمل حتى ما كان يحب، من السكينة و العزلة, في أحضان الطبيعة. فيتمنى الآن أن يعود إلى دار أمانه، و مأواه إلى جانب زوجته خديجه, إذ لم يكن يطيق وحده أن يتحمل كل هذا الوجد والقلق و الهيجان.
كان عليه في سرعة أن يجد من يبث له أسراره, و يشاطره شجونه وآلامه، فيعينه في حمل باهض أعبائه.
ليت الفرسخين - المسافة بين حراء حتى حي الأبطح- كانت أقصر, أو ليته كان يلاقي بعض أحبائه ليلقي معه المسافة السحيقة هذه.
في تلك الليلة, زينب ورقية, تقاسمتا الفراش معي وعلي راقد في غرفة تالية, متصورة ًأن أبا القاسم سيظل في غار حراء, قطعت لسان المصباح, و قمت لأرقد و أنام . ما أنمضت ساعة, حتى فزعت من نومي بغتة, دون أن أعرف السبب و الدليل.
بين اليقظة و النوم, غلبني شعور غامض, يوحي إلي أن زوجي في مكان بعيد بعيد يستنصرني, فزدت شديد قلق وأضطراباً عليه. تصورت في بداية الأمر أن الليل بكوابيسه المفزعة، و حلكته الموحشة كان هو الدليل. إلا أن شيئاً فشيئاًَ طغى عليًّ القلق, فتيقنت أن أبا القاسم في مكان ما يستغيثني من أعماق قلبه.

صممت على أن أرتدي ملابسي، و انطلق إلى حراء , بيد أني تراجعت عن هذه الفكرة, فالوقت متأخر, والأطفال نيام، ولا يمكن لي أن أخرج وحدي . ناديت زيداً -وقد بلغ أشده -لينطلق باحثاً عن متبنيه، لكنه رجع بخفي حنين, فاضي اليد, خائباً.
لما أستولى عليُّ الأضطراب, عقدت العزم على الأنطلاق, إلا أن طرقات الباب استوقفتني, طرقات هادئة, طالما سمعتها من أبي القاسم عند رجوعه إلى البيت في هزيع من الليل.
عرفت أنه هو.
لما فتحت الباب, رأيته على ضوء الشمعة, في حالة تختلف عمّا كان عليه, عند خروجه من البيت. صفحته الوردية فقدت رونقها المعهود و خالطها الشحوب, وعينه الحور البراقة بدت بالحمى ملتهبة. فقد من عظيم قواه مافقد, فما كان يتدارك نفسه ويتمالك , دخل الدار, وهو يتشبت بالباب و الجدران , و يتأرجح بين خطوات قصيرة وئيدة , تتضوع منه رائحة لم أجد فيه مثله. أما وجهه فقد تضاعف تلئلئاً ونصاعة.
هرولت إليه هارعة، و تأبطه, و هو أيضاًَ أستند بيديه إلى كاهلي, كأن جسمه يلتهب في بوتقة لافحة.
انطلقنا نحو غرفة الإستقبال, أول غرفة مطلة على الفناء, كان يحاول أن يجر رجليه و هو يستند إليّ.
أستلقى في الغرفة على السرير, فجلست إلى جانبه, و أخذت بيديه الحمئتين متسائلة: قل لي, يا أبن العم, ماذا بك حلّ !؟
أخذ يسرد ما جرى عليه بصوت باهت, كأنه يتصاعد من قعر الجب. لما أستمعت إليه, شعرت أنني مالكة الدنيا كلها, ففرحت فرحاً عظيماً, و لو لا الحياء, و ذاك الوقت المتأخر من الليل، لكنت أنفجر زغردة و أعلن في الحيّ عن فرحي الغامر.
التفت إلى أبي القاسم قائلة: ألا تتذكر يا بن العم, لمّا هبط إليك جبرائيل في المرات السابقة, و ناجيتني فيه، قلت لك انه ليس بشيطان, بل هو ملك؟
حرك زوجي رأسه مؤيداً بلا حول و لا قوة.
قلت: يا أبا القاسم, لا تستغرب و لا تعجب من أمر الله إذ بعثك للعالمين رسولاً، فالصديق و العدو لا يفكران ما أنت عليه من الصدق والوفاء, و الأمانة, و إعانة المظلوم, و نصرة الحق, و حسن الخلق, و الشفقة و الكرم, و صلة الرحم.
هو الصدق كله, بل أعظم من الصدق. لم ينخرط أبداً أبو القاسم أيام الشباب فيما أنخرط فيه فتيان العرب من الفجور و الفسوق. و في سن الكهولة لم يمس سوءاً, و لم يره أحد ٌ عليه، لحظات حياته قضاها على الطهر و الصدق و الاحسان, فشغف به الناس, و له كنّوا الحب.
وضعت خديجة يدها على جبين زوجها, رأته عيناً حمئة تلفح ناراً, إلا أن روعه أخذ يهدأ, فسكنت نظراته المضطربة.
- مهلاً, يا بن العم, قرعينا, وأستقم، والذي نفس خديجة بيده, إن هذا جزاء ما عانيت, وأجر ما أتقيت. بخ بخ لك الرسالة هذه, يا أمين أهل الديار أجمع.

خديجة كأم عطوف, أخذت بحنان يد زوجها، و أنهضته من سريره. (حرارتك مرتفعة, تعال معي, يا أبا القاسم, إلى فناء الدار لأغسلك. عسى أن تفل عنك الحمى) نزع النبي عقاله, و خلع بردته, فوضعها على السرير, و أنطلق مع خديجة. لما وصلا إلى قعر الفناء الحالك, قعد النبي القرفصاءعلى صفوان مرباع. فتحت خديجة الفوهة الخشبية لأول خابية مستندة إلى الحائط و أخذت بالدلو المعلق عليه, فصبّت من الخابية فيه الماء, و أدارته على رأس زوجها و وجهه.
و لما صبت الماء على أبي القاسم, و رجعنا إلى غرفة الاستقبال, استلقى على السرير هزيلاً, فجلستُ إلى جواره. قال لي مباشرة: يا خديجة, اشعر بقشعريرة، البرد, زمليّني بالدثار!

وضعتُ تحت رأسه وسادة جلدية, و غطيته ببردته, إلا أنه لم ينج من رجفته, فد ثرته في المرة التالية بملحفة دون جدوى, فبلغ به الأمرمبلغاً أن سرت الرعشة إلى لحافه, و في المرة الأخرى, ألقيت عليه بساط وبر, فهدأ تنفسه إلا أن رجفاته بين حين و أخرى كانت تتعالى من تحت البساط.
بعد فترة قصيرة، سمعت أنفاسه تسكن و تستقر, فعرفت أنه غط في نومه.
ارتديت ملابسي, وأدنيت جلبابي, و انطلقت إلى دار ابن عمي, ورقة. كان دار ورقة على مقربة من جارنا, عرفتمن النور الساطع على الدرب, من فتحة باب غرفته, أنه ساهر, و ليله قائم.
طرقت الباب بهدوء, فتحت ابنة عمي - أخت ورقة - لي الباب. لما دخلت الدار, واجهني صهيب، و هو خارج من غرفة ابن عمي, وكان عازماً على الذهاب. ( صهيب هذا منذ أمد بعيد زُجّ به من الشام أسيراً إلى مكة. فأبتاعه عبد الله جدعان, إلا انه أستطاع بحصانته و براعته, في فترة وجيزة, أن يفدي نفسه, و يفك أسره).
دخلت الغرفة لّما ذهب صهيب.
- مساء الخير ابن العم!
- مساء الخير, ألست خديجة الطهر!؟
- بلى, يا ورقة.
- ما دهاك في هذه الساعة المتأخرة من الليل, و ما جرّبك إلى الخروج من البيت!؟
- استوقفني سؤال, و ألحّ عليّ فهمه, فضقت صبراً للحصول على الجواب, و لم أتحمل, الانتظار حتى الصباح.
- حسناً حسناً, لا يشترط للمعرفة الزمان, و معرفة اليوم خير من الغد. اسألي!
- يابن العم, قل لي ماذا تعرف عن جبريل؟
قام ورقة بعوده الهزيل, منتصفاً, مصوباً رأسه نحو خديجة:
- ها ..... أصحيح ما أسمع!؟ أنت تفوهت باسم جبريل الأمن!؟
- نعم يا بن العم, قل لي من هو جبريل؟
خر ورقة ساجداً, ثم رفع رأسه مذعوراً يقول:ماذا...ماذا يا خديجة؟
كيف تتفوهين باسمه الطاهر في هذه البلدة المنحرفة عن عبادة الله الأجلّ.
أقسم بالمسيح, لن أتحدث عنه أبداً ما لم تخبريني من اين سمعت اسمه!
- سأخبرك يا بن العم, شرط, أن تعاهدني على كتمان ما أبثه إليك حتى يحين وقته.
- سأفعل, يا ابنة العم, سأفعل!
- هبط جبريل الليلة على أبي القاسم, و حدّثه... !
تهللّ وجه ورقه النحيل, و أندفع فيه الدم, فانفجرت وجنته حمرة بدت لخديجة رأي العين.
- يا قدوس, يا قدوس, هذه من عجائب آياتك، ودليل قدرتك! والآن, خبريني أين هبط على زوجك!؟
- في غار حراء.
تبرق عين ورقة الغائرة, و ترعد في سرعة.
- يا خديجة, اعلمي أن جبريل لو نزل على ديار لماج بالعجائب.
- يا ورقة, ألم تكتب عنه الكتب التي أطلعت عليها !؟
رد ورقة, و قد اغرورقت عيناه: ما هذا الذي تقولينه يا خديجة, جبريل ملك الله الجليل, و رسوله المرسل, و واسطة الخالق و كبار أنبيائه, و ذوي الغرم منهم, فهو الذي هبط على عيسى و موسي
أبرقت عين خديجة الفاتنة, و لمعت فرحاً, وقالت:
يا بن عمي, ألم تذكر الكتب السابقة أسم محمد!؟
- يا خديجة, قرأت في أخبار الماضيين أن الله تعالى سيبعث من هذه البلدة يتيماً يأويه, و فقيداً يغنيه، وضالاً يهديه, خاتم الأنبياء, لا نبي بعده.
- هل من مزيد؟
- نعم, نعم، يا خديجة, تكلّمه الموتى كما كلّمت عيسى, و تحييّه الصفا و الحجر, و في الشجر آية نبوته. يا خديجة إن صدقتِ فيما رويتِ فإن الذي نزل به جبريل الأمين على أبي القاسم هو وحي الله, و هو نبيه.

عزمت خديجة على الرجوع إلى دارها, فخاطبها ورقة قائلاً: يا سيدة نساء قريش, أنا أيضاًَ رأيت في المنام خلال ليال ثلاث على التوالي أن الله بعث رسولاًََ إلى مكة, واليوم لا أرى بين الناس جميعاً من هو أجدر بالنبوة منه.
شكرته خديجة, و قامت من مكانها......


Posted by didar at اسفندماه 7, 1391 10:23 صبح
Comments
Post a comment









Remember personal info?